نورالدين علي بن أحمد السمهودي

100

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وفي مدارك عياض عن مالك أنه مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف ، وباقيهم تفرقوا في البلدان . وقال المجد : لا شك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الأمة ، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم ، فلذلك لا يعرف قبر معينين منهم إلا أفرادا معدودة . قلت : وقد ابتنى عليها مشاهد : منها مشهد على يمينك إذا خرجت من باب البقيع قبلي المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأمهات المؤمنين ، تحوى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والحسن بن علي ، ومن تقدم ذكره معه ، وعليهم قبة شامخة في الهواء ، قال ابن النجار : وهي كبيرة عالية قديمة البناء وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم ، ولم يذكر الذي بناها ، وقال المطري : بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء . قلت : وفيه نظر ؛ لأن الناصر هذا كان معاصرا لابن النجار ؛ لأنه توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، ووفاة ابن النجار سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وقد قال ابن النجار : إن هذه القبة قديمة البناء ، ووصفها بما هي عليه اليوم . ورأيت في أعلى محراب هذا المشهد : أمر بعمله المنصور المستنصر بالله ، ولم يذكر اسمه ولا تاريخ العمارة ، فلعله المنصور الذي هو ثاني خلفاء بني العباس ، لكنه لا يلقب بالمستنصر بالله ، ولم أر من جمع بين هذين اللقبين ، وعلى ساح قبر العباس أن الآمر بعمله المسترشد بالله سنة تسع عشرة وخمسمائة ، ولعل عمارة القبة قبله ، وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مصفحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر . وينبغي أن يسلم زائرهما على من قدمنا ذكر دفنه عندهما في قبر فاطمة والحسن رضي الله تعالى عنهما ، وهناك قبور كثيرة لأمراء المدينة وأقاربهم من الأشراف يدفنون بهذا المشهد . وفي غربيه قبر ابن أبي الهيجاء وزير العبيديين ، عليه بناء ، وقبر آخر يعرف بابن أبي النصر عليه بناء أيضا . وفي شرقي المشهد بعيدا منه حظيرتان في إحداهما الأمير جوبان صاحب المدرسة الجوبانية ، وفي الأخرى بعض الأعيان ممن نقل إلى المدينة ، وإنما نبهت على ذلك خوفا من الالتباس على طول الزمان . ومنها : مشهد في قبلة المشهد المنسوب لعقيل متصل به ، قال المطري : يقال : إن فيه قبور أزواج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .